الشيخ محمد هادي معرفة

223

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أمّا الوجوه الباسرة فهي الكالحة العابسة . يعلوها ظلام وكدرة من سوء الوحشة وشدّة الفزع ، حيث « تظنّ - أي تخشى - أن يُفعل بها فاقرة » وهي الداهية ، تفقر الظهر أي تقصمه . وعليه ، فالتعابير الواردة في القرآن بهذا الشأن أربعة : « تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ » . « وُجُوهٌ ناضِرَةٌ وَوُجُوهٌ باسِرَةٌ » . « وُجُوهٌ مُسْفِرَةٌ و وُجُوهٌ مغبرة » . « وجوه تغشاها قطع مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً » . فالاسوداد والبسور والاغبرار وغشاء الظلام ، كلّها تعابير تنمّ عن معنى واحد وهو كدرة وظلمة تعلو الوجه على أثر الانقباض والتقطيب . وليس المراد ذات اللون كما حسبه المعترض ! كلام عن السحر في القرآن هل اعترف القرآن بتأثير السحر تأثيرا وراء مجاري الطبيعة ، حسبما يزعمه أهلُ السحر والنفّاثاتُ في العُقد ؟ ليس في القرآن ما يشي بذلك سوى بيان وَهْن مَقْدُرتهم وفَضْح أساليبهم بأنّها شَعْوذة وتخييلات مجرّدة لا واقعية لها . يقول بشأن سَحَرة فرعون : « فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى » . « 1 » فكان الرائي يتخيّل أنّ تلك الحبال والعصيّ تسعى ، أي تنزو وتقفز وتلتوي على أنحاء الحركات التي كان الناظرون يحسبونها حركات حياتية وأنّها حيّات ثعابين متهيّجة . قال الطبرسي : لأنّها لم تكن تسعى حقيقة ، وإنّما تحرّكت لأنّهم جعلوا في أجوافها الزئبق ، فلمّا حميت الشمس تمدّدت الزئابق فحصلت على أثره تلك التحرّكات ، وظُنَّ أنّها تسعى . « 2 » وذلك أنّهم أخذوا مصارين أو ادُم مصنوعة على صُوَر الحيّات والأفاعي ، وجعلوا في

--> ( 1 ) - طه 66 : 20 . ( 2 ) - مجمع البيان ، ج 7 ، ص 18 .